عودة

المؤشرات الخليجية

09 يونيو 2010

تكمن المفارقة بالنسبة لأسواق الأسهم الخليجية في أنها تحتاج إلى مزيد من السيولة والشفافية إذا ما أرادت جذب الاستثمارات العالمية. وبالطبع، كان يمكن للأمرين أن يتوافرا معاً بشكل أسرع لو كان هناك فيض من المؤسسات الاستثمارية العالمية التي تغذي الطلب.

ففي ظل هذه المفارقة، كيف للأسواق أن تخرج من وضعها الراهن إلى حالة اقتصادية أكثر قوةً؟

ثمة فرصة في أن يتمكن المستثمرون العالميون من ملاحظة العديد من الحقائق التي يفتقر إليها الكثيرون مثل نمو الأرباح السريع عند تقييمات منخفضة، والأسس الاقتصادية المشجعة على المدى الطويل مثل التمويلات الحكومية القوية، والإنفاق الكبير في مجال البنية التحتية، والتركيبة السكانية الفتية.

ولكن سيكون من المفيد توفير الدعم القوي من مؤشرات مثل "مورجان ستانلي كابيتال إنترناشيونال"، و"مؤشر فاينانشال تايمز"، و"ستاندرد آند بورز".

وينظر مزودو المؤشرات العالمية إلى أسواق الأسهم الخليجية حالياً بصفتها أسواقاً "حدودية" شأنها في ذلك شأن سريلانكا ورومانيا وفييتنام، وذلك رغم ارتفاع حجم الثروات الفردية ومستوى التطور الواضح في المنطقة؛ لذا يميل العديد من المستثمرين إلى اعتبار الخليج بيئة استثمارية قائمة بحد ذاتها أو رهاناً لا يمكن القياس عليه.

ومن شأن إعادة تصنيف المنطقة كأحد الأسواق الناشئة أن يسهم في تعزيز مصداقيتها كوجهة استثمارية رئيسية، واستقطاب كميات كبيرة من رؤوس الأموال؛ وعندها فقط سيتعين على المؤسسات الاستثمارية العاملة في الأسواق الناشئة إعادة تقييم صورة الوضع مجدداً في المنطقة.

وفي النطاق الأوسع لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، كانت مصر والمغرب الدولتين الوحيدتين اللتين أدرجتهما "مورجان ستانلي كابيتال إنترناشيونال" ضمن مؤشرها الخاص بالأسواق الناشئة رغم أنها تعكف على إعادة تقييم وضع الإمارات وقطر ضمن دراسة من المتوقع أن يتم نشر نتائجها خلال الشهر القادم.

وبهذا تعد منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا دون مستوى التمثيل الذي تستحقه، فهي تمثل 6% من الناتج المحلي الإجمالي والقيمة السوقية للأسواق الناشئة، ولكنها غير ممثلة سوى بنسبة 1% فقط في المؤشر. وفي المقابل، يتماشى تمثيل روسيا بنسبة 6% في المؤشر مع حصتها من الناتج المحلي الإجمالي؛ إلا أن هذه النسبة غير متوازنة بشكل كاف مع حصتها البالغة 3% من قيمة أسهم الأسواق الناشئة، الأمر الذي يحتاج إلى تحقيق توازن أفضل على هذا الصعيد.

وبالنسبة إلى مزودي المؤشرات، تبدو بعض معايير الإدراج ضمن مؤشرات الأسواق الناشئة فنيّة إلى حد ما؛ ومنها ما أشار إليه مؤشر "مورجان ستانلي كابيتال انترناشيونال" مثلاً من غياب الربط الفوري بين دفع قيمة السهم وتسجيل ملكيته في بورصة الدوحة. وفي دولة الإمارات العربية المتحدة، يريد المؤشر أن يرى فصلاً بين حسابات الإيداع وحسابات التداول، وهو ما يقوم به عملياً مديرو الصناديق الأفضل ويسعى المنظمون إلى إصدار قوانين بشأنه؛ ومع ذلك تتمحور القضايا الرئيسية حول الشفافية وسيولة السوق، وهو ما بدأت الشركات والهيئات التنظيمية بالاستجابة له فعلاً.

ويدرك المديرون التنفيذيون في الخليج مدى الحاجة إلى أخذ حوكمة الشركات والشفافية على محمل الجد؛ وقد تعلم بعضهم ذلك بالطريقة الصعبة عندما طالبهم المستثمرون بعلاوة مخاطرة عن الشركات التي يعتقدون بأنها ستواجه عجزاً مالياً.

وبدافع من إدراكها بأن أغلب "الأموال الساخنة" لفترة منتصف العقد الحالي جاءت من المستثمرين الأفراد المحليين الذين كانوا ينتقلون من طرح عام أولي إلى آخر، فإن الشركات المدرجة حالياً تحرص على اجتذاب المؤسسات الاستثمارية التي تتمتع بمنظور طويل الأمد حيال الأسس الاقتصادية وتستطيع المساعدة على الحد من التقلبات.

وفي ظل المشهد المؤسسي الذي تسيطر عليه تقليدياً الشركات العائلية الكتومة، بدأت فرق الإدارة تصبح أكثر مهنية وانفتاحاً على مديري المحافظ، وتتجه نحو بناء علاقات أكثر متانة مع المستثمرين.

وتعكف الشركات حالياً على تحسين تركيبة مجالس إداراتها، وبات تعيين الأعضاء يستند على الحاجة إلى تكريس الوقت والموارد للإشراف بشكل مناسب على تطوير الشركة بدلاً من إسناد المناصب وفقاً للمكانة الاجتماعية المرموقة.

كما تعمل الجهات التنظيمية هي الأخرى على الارتقاء بمستوى قوانينها، ومن الأمثلة على ذلك أنها تمعن النظر في مصطلح "العضو المستقل" وصولاً إلى تعريف مناسب له. وقد قامت الإمارات العربية المتحدة منذ مطلع الشهر الحالي بتطبيق قوانين جديدة تتعلق بتركيبة مجالس الإدارة، وتشكيل لجان التدقيق، والإفصاح للمستثمرين، وتعيين المدققين الخارجيين.

ولا بد من الإشارة إلى أن تحسين معايير حوكمة الشركات يحتاج إلى تغيير تدريجي في عقلية مزاولة الأعمال، وهو أمر يقع على الأقل في متناول يد اللاعبين الأساسيين في السوق. أما زيادة سيولة الأسواق، فقد تكون مسألة أكثر صعوبة؛ ولكن فائدتها الأهم تكمن في استقطاب المستثمرين وإنتاج مزيد من السيولة وفق سيناريو البيضة والدجاجة، وهنا يبدو أداء أسواق الخليج متواضعاً مقارنة بأغلب الأسواق الناشئة؛ وعلى سبيل المثال، كان معدل الإيرادات اليومية للبورصات السبع الرئيسية في المنطقة خلال الأشهر الـ12 الأخيرة قد بلغ ذروته عند 4,5 مليار دولار في شهر يونيو من العام الماضي، ووصل إلى أدنى قيمة له عند 879 مليون دولار أمريكي في شهر ديسمبر. أما تايوان التي لا تفوق قيمتها السوقية رسملة الخليج بكثير، فقد وصل معدل إيراداتها اليومية إلى ذروة بلغت 7 مليار دولار خلال العام الماضي.

ولكن يمكن للحكومات والجهات التنظيمية أن تساعد في هذا الشأن من خلال تشجيع تعويم الأسهم ودعم المزيد من عروض الاكتتاب العامة الأولية. فعلى سبيل المثال، صرحت شركة "مبادلة"، المملوكة لحكومة أبوظبي، هذا الشهر أنها تعتزم إدراج بعض شركات محفظتها الاستثمارية خلال الأعوام القادمة للمساعدة على زيادة عمق أسواق الأسهم الإماراتية.

ويبشر هذا التوجه بالخير في ظل الدور المهم الذي يمكن أن تلعبه الحكومات والمؤسسات المرتبطة بها في زيادة سيولة السوق من خلال تقليص حصصها في الشركات الكبرى المدرجة في المنطقة، وبالتالي زيادة كمية الأسهم المطروحة للتداول الحر؛ الأمر الذي يؤسس لمثال يحتذى به للشركات الصغيرة المتحفظة عبر إظهار حقيقة أن زيادة السيولة تؤدي إلى رفع علاوات أسعار الأسهم.

ويسير الخليج حالياً في الاتجاه الصحيح مع سعيه لاجتذاب المزيد من الاستثمارات نحو الداخل. وقد اتخذت السعودية خطوة أولى بفتحها سوق الأسهم أمام المستثمرين الأجانب في عام 2008 عبر اعتمادها آليات مقايضة. كما يتجه كل من قطر والإمارات نحو تخفيف القيود على الملكية الأجنبية في الشركات. ويرى بعض المستثمرين أن دخولهم المنطقة مبكراً سيعود عليهم بمكاسب مجزية حينما تصبح الأسواق الإقليمية جزءاً أساسياً من محافظ الاستثمارات العالمية.

ديفيد ساندرز هو مدير الاستثمارات في مجموعة إدارة الأصول في "شركة أبوظبي للاستثمار"، التي تدير صناديق للملكية الخاصة والأسهم المدرجة في منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا. وتولّى ساندرز العديد من المناصب الرفيعة في مجال إدارة الأصول لدى "جهاز أبوظبي للاستثمار"، و"بنك أبوظبي الوطني"، فضلاً عن إدارة صندوق قسم تعويضات التقاعد العالمي في شركة "بروكتر أند غامبل" في اليابان والولايات المتحدة الأمريكية.