عودة

الاستثمار: الخيط المفقود على "طريق الحرير"

09 يونيو 2010

بقلم: ناظم فواز القدسي

عندما استقبلت بلدي، دولة الإمارات العربية المتحدة، هذا العام سفينتين حربيتين صينيتين في زيارة قصيرة هي الأولى من نوعها في التاريخ الحديث، استدعت هذه الزيارة المقارنات التاريخية مع رحلات الأدميرال زينج هي إلى شبه الجزيرة العربية والتي بشرت بتزايد النفوذ الدولي للصين في بدايات القرن الخامس عشر.

وأثار ذلك البحار المسلم، الذي نشأ في مقاطعة يونان وتحدث اللغتين العربية والصينية، ضجة كبيرة عندما حط رحاله في منطقة اليمن حالياً، وتداعى إلى زيارته 19 سفيراً من مختلف أنحاء المنطقة ليحمّلوا سفنه بالهدايا للإمبراطور يونج لي.

وبعد مرور نحو 600 عام على تلك الزيارة، عادت العلاقات بين الصين والعالم العربي إلى دائرة الضوء من جديد.

وشكل النمو التجاري السريع خلال العقد الماضي حافزاً للحديث عن "طريق حرير" جديد يستعيد أمجاد تلك الدروب البرية والبحرية التي انتقلت عبرها البضائع والثقافة واللغة والفن والدين بين شرق آسيا والشرق الأوسط قبل نحو ألفي سنة خلت.

وعلى ما أعتقد، سيتحول التركيز حالياً على زيادة الاستثمارات البينية لاستكمال حركة التدفقات التجارية.

ومن المتوقع لمحادثات التجارة الحرة الجارية بين الصين ودول مجلس التعاون الخليجي الست أن تسهم في زيادة التبادل التجاري بين الطرفين بما يزيد على ثلاثة أضعاف ليصل إلى 350 مليار دولار على الأقل بحلول عام 2020، وذلك وفقاً لمؤسسة "ماكينزي" الاستشارية.

وقد تفوقت الصين مؤخراً على الولايات المتحدة كأكبر مصدر لدول مجلس التعاون الخليجي مع نمو صادراتها السنوية إلى المنطقة بأكثر من 10 أضعاف لتتجاوز قيمتها 60 مليار دولار خلال السنوات العشر الماضية، وذلك إثر الطلب المتزايد الناجم عن النمو السكاني وزيادة الدخل.

وفي المقابل، تزود دول مجلس التعاون الخليجي الصين بـ 35% من وارداتها النفطية ويأتي أكثر من نصفها تقريباً من السعودية.

وكمثال على مدى تواضع حجم الاستثمارات قياساً بحجم التبادل التجاري بين الطرفين، تجدر الإشارة إلى مشاركة الصين في عام 2008 بنحو 4 % فقط من الاستثمارات الأجنبية المباشرة في السعودية، الاقتصاد الأكبر والأضخم سكانياً في منطقة الخليج العربي.

ورغم حضورهم الفاعل على الساحة العالمية خلال السنوات الأخيرة، إلا أن نشاط مستثمري منطقة الشرق الأوسط ما يزال أدنى بكثير من نصيب اليابان، وكوريا الجنوبية، والولايات المتحدة، وألمانيا كمصادر للاستثمار الأجنبي المباشر في الصين؛ ويعود ذلك جزئياً إلى محدودية نشاطهم في القطاع الصناعي.

ومع ذلك، يميل هذا المشهد نحو التغير مع توجه الصينيين والمستثمرين الشرق الأوسطيين إلى اغتنام الفرص الاستثمارية الجديدة، وهو السبب الذي دفع رئيس دائرة التنمية الاقتصادية في أبوظبي والعديد من شخصيات الأعمال البارزة في الإمارة إلى لقاء رجال أعمال ومسؤولين رسميين صينيين رفيعي المستوى، وذلك على هامش "منتدى أبوظبي والصين الاستثماري" الذي سينعقد الأسبوع المقبل في مدينة شانغهاي.

ويعود الفضل في زخم العلاقات بين الطرفين إلى عمق المصالح المشتركة التي عززها التبادل التجاري ولا سيما في مجال الطاقة. وقد افتتحت شركة "بروج"، المملوكة جزئياً لشركة بترول أبوظبي الوطنية، هذا الشهر مصنعاً في شنغهاي لانتاج مركبات البولي بروبيلين المستخدمة في قطاع صناعة السيارات. كما اشتركت "أرامكو" السعودية مع "سينوبك" الصينية في بناء مصفاة تكرير للنفط بكلفة 5 مليارات دولار في اقليم فوجيان وتبحثان إقامة مشروع مماثل في تشينغداو. وتقيم "شركة سابك" السعودية للكيماويات مجمعاً للبتروكيماويات بقيمة 3 مليارات دولار في مقاطعة تيانجين.

ولكن هذه الاستثمارات مرشحة للازدهار أيضاً في مجالات أكثر تنوعاً بسبب أوجه الشبه العديدة بين الصين والشرق الأوسط، والتي تفيد إلى حد كبير في خفض "تكاليف المتابعة" المترتبة على تقييم الاستثمار، وبالتالي تسهيل عملية صنع القرار.

وعلى سبيل المثال، يمكن للمستثمرين الصينيين إدراك مدى أهمية مشاريع البنية التحتية المخططة والجارية حالياً في الشرق الأوسط بقيمة 2,4 تريليون دولار، وذلك بعد أن تلمسوا الآثار الإيجابية الهائلة التي عادت بها برامج البناء المماثلة على الاقتصاد الصيني خلال العقد الماضي.

وتستفيد شركات البناء الصينية من خبرتها الواسعة في سوقها المحلية للفوز بعقود في منطقة الشرق الأوسط. وعلى سبيل المثال، تم توقيع صفقات بقيمة 2,1 مليار دولار في دولة الإمارات العربية المتحدة وحدها في عام 2008. وثمة دور جديد يمكن لرأس المال الصيني أن يلعبه أيضاً، حيث يمكن لشركات مثل "أبوظبي للاستثمار" أن تتيح فرصاً استثمارية مشتركة ليس في الإمارات فحسب، بل في مختلف أرجاء منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا أيضاً.

وتحظى منطقة الشرق الأوسط كذلك بنفس النوع من فرص للمشاريع المشتركة التي جعلت مستثمري الملكية الخاصة يتدفقون إلى الصين. وتتشابه المنطقتان أيضاً حتى في طريقة إنجاز الصفقات بالاعتماد على الثقة والروابط العميقة، أو ما يدعى بالـ "جوانشى".

وتبدو الشركات السريعة النمو متلهفة للتمويل معولةً على اقتصاد الشرق الأوسط النشط، والذي من المتوقع أن يسجل نمواً سنوياً يزيد على 4% خلال الأعوام الأربعة المقبلة. وفي ظل بطء عمليات الإقراض المصرفي، وركود سوق الاكتتابات الأولية، تبدو الفرصة سانحة أمام مستثمري الملكية الخاصة للمساهمة في توسع الشركات الطموحة في جميع أنحاء المنطقة، وبنفس الطريقة التي حققت فيها العلامات التجارية الصينية مكانتها القوية في الأسواق العالمية.

وتحظى القطاعات الجديدة في المنطقة، مثل البتروكيماويات وشركات الطيران الاقتصادي والخدمات المالية، بوضع جيد في بورصات منطقة الشرق الأوسط التي تفوقت حتى الآن على بقية الأسواق العالمية خلال العام الجاري. ولأن كلاً من الإمارات والأردن ومصر وقعت اتفاقات مع "هيئة تنظيم الأوراق المالية" الصينية، لذا فهي تعد بين نحو 40 سوقاً مفتوحة أمام المستثمرين الصينيين بموجب نظام المستثمرين المؤسساتيين المحليين المؤهلين.

لقد حققت كل من الصين ومنطقة الشرق الأوسط فوائض كبيرة في الحساب الجاري بصفتهما مصدرين رئيسيين للمنتجات المصنعة والمواد الهيدروكربونية؛ وهما يتجهان لأن يصبحا من كبار المستثمرين على الساحة الدولية عندما يستعيد الاقتصاد العالمي عافيته.

وفيما يحدث ذلك، من المهم لنا أن نقوم بتوسيع علاقتنا الوثيقة مع الصين لتشمل تدفق رأس المال في الاتجاهين مع مواصلة السعي لتنويع استثماراتنا؛ وعندها فقط ستستحضر إيرادات العصر الحديث مجدداً ألق الكنوز التي حملتها أساطيل الأدميرال زينج هي.

ناظم فواز القدسي هو الرئيس التنفيذي لشركة أبوظبي للاستثمار، وهي شركة استثمارية مملوكة لحكومة أبوظبي تعمل في مجال صناديق الأسهم المدرجة والملكية الخاصة، فضلاً عن فرص الاستثمار المشترك في منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا.